الشيخ عبد الغني النابلسي
395
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
موسى عليه السلام كما ذكر في القرآن من قوله : رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما [ مريم : 65 ] ، وقوله : رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [ الشعراء : 26 ] ، وقوله : رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما [ الشعراء : 28 ] . * * * وهنا سرّ كبير ، فإنّه أجاب بالفعل لمن سأل عن الحدّ الذّاتي ، فجعل الحدّ الذّاتي عين إضافته إلى ما ظهر به من صور العالم ، أو إلى ما ظهر فيه من صور العالم . فكأنّه قال له في جواب قوله : وَما رَبُّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 23 ] قال الّذي يظهر فيه صور العالمين من علو - وهو السماء - وسفل - وهو الأرض - إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ [ الشعراء : 24 ] أو يظهر هو بها . فلمّا قال فرعون لأصحابه : إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ [ القلم : 51 ] كما قلنا في معنى كونه مجنونا . زاد موسى في البيان ليعلم فرعون مرتبته ( * ) في العلم الإلهيّ لعلمه بأنّ فرعون يعلم ذلك فقال : رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فجاء بما يظهر ويستتر وهو الظّاهر والباطن ، وما بينهما وهو قوله : بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ البقرة : 29 ] . إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [ الشعراء : 28 ] أي إن كنتم أصحاب تقييد ؛ فإنّ العقل يقيّد . وهنا في ذكر الربوبية المضافة التي هي كناية عن العقل الإلهي سر كبير من أسرار اللّه تعالى فإنه ، أي موسى عليه السلام أجاب بالفعل لمن سأل وهو فرعون عن الحد ، أي التعريف الذاتي بقوله : وَما رَبُّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 23 ] فجعل ، أي موسى عليه السلام الحد الذاتي لماهية اللّه تعالى وحقيقته عين إضافته ، أي نسبته تعالى إلى ما ، أي الذي ظهر تعالى به من صور العالم ، أي المخلوقات أو إلى ما ظهر ، أي تبين فيه ، أي في الحق تعالى من صور العالم فكأنه ، أي موسى عليه السلام قال له ، أي لفرعون في جواب قوله ، أي فرعون وَما رَبُّ الْعالَمِينَ قال ، أي موسى عليه السلام الذي تظهر فيه صور العالمين من غير حلول فيه ، لأنها عدم وهو وجود صرف مطلق ، والعدم لا يحل في الوجود والوجود لا يحل في العدم من علو بيان للصور وهو ، أي العلو السماء ومن سفل وهو ، أي السفل الأرض إن كنتم موقنين باللّه تعالى أو الذي يظهر هو تعالى بها ، أي بصور العالمين من علو وسفل كما ذكر فلما قال فرعون لأصحابه الحاضرين عنده إنه ، أي موسى عليه السلام لَمَجْنُونٌ [ الحجر : 6 ] كما قلنا